أحمد بن محمد الشافعي الشاذلي
125
المفاخر العلية في المآثر الشاذلية
يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ [ الأحزاب : 59 ] الآية ، فأباح الزي لدفع المضرة وغيرها ، ولبس الخرقة للتميز من ذلك وللدخول في القوم بالتشبه ، لكن بشرط اجتناب الكبائر ، وصغائر الخسة وما لا يرضاه ذو الهمم الدينية ثم المتشبه والمسند إما محب فجزاؤه أن يحب فيوضع له القبول في الخلق . وأما المستند فجزاؤه أن يحترم فتوضع له الحرمة في القلوب ، فلا يراه أحد إلا احترمه وعظّمه . وأما الطالب فجزاؤه أن ينصح ويفاد فتيسر له الخيرات ، وتصرف عنه الشرور الدنية على قدر القبض والقصد ، والهمة في جميع ذلك ، و : على قدر أهل العزم تأتي العزائم وشرط الشيخ الذي يستند إليه أن ينصح الجميع بما أمكنه فيدلهم على التقوى والاستقامة ، وينهاهم عن المنكر والملالة ، ويدعو لمن قبل منهم بالثبات ، ويعلمه ما أمكنه من أمر دينه ويشفق عليه في دنياه ، ويدعو لمن لم يقع له عزوب عن الباطل بالتوفيق ويجتهد في ذلك بما يجتهد لنفسه ، لأن من قصد قوما وجب حقه عليهم ، وينظر لكافة خلق اللّه تعالى بعين الرحمة كما قيل : ارحم بنيّ جميع الخلق كلهم * وانظر إليهم بعين اللطف والشفقة وقر كبيرهم وارحم صغيرهم * وراع في كل خلق حق من خلقه فصل في بيان طريقة الذكر اعلم أن اللّه تعالى جعل للعبد أسبابا يصل بها إلى حضرته الربانية ، ويعكف بها في معتكف الحضرات الرحمانية ، وتلك الأسباب تارة تكون باطنة ، وتارة تكون ظاهرة . فالباطنة نحو مراقبة الحق سبحانه وتعالى ، واستحضار العبد في سائر أوقاته أو غالبها أنه بين يدي اللّه وأن اللّه جلّ وعلا تقدست أسماؤه مطلع عليه وناظر إليه ، فيحمله ذلك على ترك معصيته ، ويجلب استنارة سريرته وأن يحفظ باطنه من الغل والحقد والشحناء والحسد والرياء وسائر المعاصي القلبية ، وأعظم سبب يعين العبد بإذن اللّه تعالى على ذلك المراقبة السابقة مع حفظ الأسباب الظاهرة : فمنها ملازمة الطاعات من إقامة الجمعة والجماعات ، والمشي إلى المساجد ومواطن الخيرات ، والصدقة بما تيسر وطابت النفس به خارجا عن الزكاة الواجبة ، وحفظ اللسان عن التكلم إلا بذكر اللّه تعالى وبما لا بد للسان منه نحو محادثة عياله في بعض أحيانه